ابن عربي

88

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

فقال الملك : كيف أصنع ؟ فإني لا أجد في نفسي قوة تصور هذه الأسباب والمقدمات ، وإيجاد هذه التأليفات والمركبات . فقال الحكيم : إن اللّه تعالى قد منحني للقوة على نبأ ما يماثلها ، وإقامة ما يشاكلها ، ووهبني أسرار كيفياتها وكمياتها ولي أصحاب من الحكماء أهل الفطنة والذكاء أشدّ بهم أزري ، وأحكم بمشاورتهم أمري ، ليقضي غرضي المولى وتقوم له هذه الروحانية العلى . فسرّ الملك بما قاله الحكيم ، وزال عنه ما كان أحاط به من الهموم . فقال الحكيم : فاخترق مخاريق هذا الجبل العظيم ، ينظر فيه ؛ أين نقطة دائرة المركز الذي تقوم النشأة به ، وترتب عليه نظام الهيئة فرأى الرياح والنجورات التي تنحل من مسام ذلك الجبل تصير كالدائرة تتحرك في موضعها ، ولا تتعدى إلى غير مهيّئها ، فعمل الحيلة حتى روح ذاته فالتحق بالأطيار ، وسوّى جناحيه وطار ، واخترق معظم تلك الرياح محلقا في جوهرها ينزل بنزولها ويسمو بسموّها إلى أن انتهى إلى موضع لا يتعدى النازل فيه على الصاعد ولا الصاعد على النازل . فقال الحكيم : اللّه أكبر . قام الملك ؛ وظهر . فأراد بذلك المركز المعتدل أرضا ذات أشجار وبقول ، وأدار عليها الماء فدار ، وأدار عليها الهوى فصفق النسر بجناحيه وطار ، وأدار به دائرة الزمهرير وخلق به الفلك الأسير . فلما أكمل هذه الأركان لإنشاء ما يريده من المعادن والنبات والحيوان ، لم ينفصل عنها ما أراد لأنها أشباح بلا أرواح وإناث بلا ذكور . فاحتاج إلى إقامة النجوم الثابتة ، والبروج الحاكمة ، والكواكب السيّارة ، وحركة أفلاكها ، وفتح مسالك أملاكها فأقامها فكانت الآباد العلويات ، وهذه الأمهات السفليات فتناكح بالحقائق الروحانيات ، والرقائق السماويات ، فتولد بينهما أبناء الحكيم ؛ المعدنيات ، والنباتيات ، والحيوانيات ، ولم تبلغ قوة هذا الحكيم فوق هذا الحد ، ولكنه وفّى بالقصد . فلما استوت هذه البنية على حسب ما أعطته الرؤية ، وحسن النيّة ، وجرت الأقلام ، وأعطت قواها الروحانيات ، وظهرت التكوينات والانفعالات ، وأشرف الملك الكريم ، على ما فعله الحكيم ، وعاين تكوين الحكمة في هذه الأجزاء ، وعرف أن الأمر لا يقوم إلّا بوجود الأرض والسماء ، فأعجبه ما رأى من حسن الرأي ، فأدركه الطيش والوله . فخاف عليه الحكيم التأله فأعمل الحيلة والنظر حتى لاح له ما أراد ،